هل انا احلم الان ..
ارفع نفسى من على السرير، متوجهه ناحية ركن غرفتي التي اطبق عليها الظلام اسمع صوت نحيب رجل ..انه ابى انا اعلم ذلك ،اتحسس الطريق الى مصدر النحيب والخوف يتملكني، فالنحيب يتصاعد كلما اقتربت خطوه الى الامام ،ولكنى اقترب رغم ذلك وكأن قدمي قد امتلكت ارادتها الخاصة ،اظن انه مرت دهور عديده وانا اتحرك، اقترب بشده لمصدر النحيب وعلمت بانني وصلت اليه عندما اصطدمت قدمي به فرفعت يدى لتحسسه وبصوت واهن ناديته "ابى"، التفاته لي و رؤيتي لعينيه التي يخرج منها وهج ابيض جعلت شعرى ينتصب ،اتراجع الى الخلف فوقف هو وتقدم نحوى وعندما فتح فمه محاولا التكلم انفجر جسده بوهج ابيض غطى كل شيء..
_"اين انا "
_" انتِ في المشفى يا دعاء ، وحالتك مستقرة جدا"صوت جهوري يناسب بدانة هذا الطبيب، تقف بجواره ممرضه صغيرة السن ذات وجه ملائكي ،هما يقفان يساري يحجبان نافذه يتسرب منها نزيف الشمس ساعة الغروب، انظر للطبيب نظره مستفهمه
_"انتِ في غيبوبة منذ اربع وعشرون ساعه وسيجيبك الضابط على كل أسئلتك الان "
.تبادل نظره متفهمه بينه وبين الممرضة وترك الغرفة وخرج من الباب الذى يقع امامي مباشرة . وضعت الممرضة يدها على رأسي برفق وحينها ادركت أنى صلعاء تماما وشعرت بضمادة بالجانب الايسر من رأسي ،نظرتها لي مشفقة
_"الله يرعانا يا حبيبتي.. اسمى هبه، وسوف اكون بجوارك في أي وقت تحتاجينني فيه "
طرقات مستأذنه علي الباب
"تفضل "
لقد أجفلتني يا هبه بهذا الصياح المفاجئ ..تماسكي يا دعاء لا تجعلي نظرة الصقر تلك تخيفك، تلك الملاح الحاده هذا الجسد النحيف الذى يحمل بالطو يصل الى تحت ركبته بقليل حتى شعره الاسود كسواد الليل والمصفوف بعنايه الى الخلف يجعله اشبه لرجال المافيا عن ضابط شرطه ورفيقه الذى يسير خلفه حاملا دفتر هو كاتب فقط
_"أنسه هبه هل تسمحين لنا ببعض الوقت مع دعاء"
صوته هادئ مبحوح ولكنه مسموع جيدا .
_ "تحت امرك يا محمود بيه"
نظرتك لي مُطمئنه حقاً يا هبه وها انتِ تتركيني وحدى معهما.. حسنا انا في جلسة تحقيق اذاً لذلك يجلس الكاتب على السرير الاخر يساري، يدون كلمات في دفتره ،ويحجب عنى منظر السماء من النافذة ،والتي بدأ الظلام يلتهمها ،وها انت يا محمود تجلس على الكرسي امامي تفوح منك رائحة سجائر قويه ... تنظر لي بعينيك الحادتين
_" اين أمي " صوتي ضعيف جدا
_"مدام نهى واستاذ صدقي قتلا "
متخشبه تماما وكأن روحي سحبت منى تاركتا دمعه ساخنه تسربت على خدى
_"كنتي معهم يا دعاء "
اعادني صوته الي الغرفة مجددا
_" انتبه سائق الى نار تتصاعد امامه ثم تختفى من خط ضغط عال على جانب الطريق، يقول انها تكررت مرتين ولكن بين تكرار هذا الحدث وقت كبير نسبيا"
-صمت قليلا ولكن نظراته الحاده لم تفارقنى ثم استطرد
"دفعه الفضول على الانحراف عن الطريق والذهاب الى ذلك الموقع وعند وصوله راى سيارة ابيك ركبها شخص لم يرى ملامحه وفر بها، وكذلك وجد جسدك مرتطم بالأرض، كنتي تنزفين من رأسك وعلمنا كذلك من الطبيب انه تم تخديرك ،كنتي شبه معلقه علي خط الكهرباء في الأعلى ، عن طريق حبل طرفه يربط قدميك ، وطرفه الاخر مربوط ببكره مثبته بالأرض، يكفي إدارتها لوصول جسدك الي فرق جهد كافي لتفحمك ...وجدنا بقايا ابيك وامك هناك"
فلأتمالك نفسي ،بكائي يتحول إلى نحيب الان ،تناولني منديلا يا محمود فامسح به دمعي
_ "كنتي ستلقين نفس المصير لولا انه لاحظ سيارة قادمه باتجاهه ..نحتاج مساعدتك ..اين يمكننا ان نجد خالد يا دعاء واين تم تخديركم "
ارتعبت من سؤاله وتحول نبرته الى الغضب فجأة وسرت القشعريرة في جسدي
_"خالد " خرج صوتي واهنا
_"نعم خالد كان يعمل في صيدلية اسفل منزلك.. بدون مؤهل دراسي الذى رفضه اباكِ عندما تقدم لخطبتك منذ شهرين وهو الان مختفيا "
_"انقطعت علاقتي به لم اقابله بعدها "مازال صوتي يخرج باكيا
_"دعاء .. كان من المفترض في هذا اليوم ان تخرجي في نزهه مع ابيك وامك لقد اخبرتنا خالتك بذلك.. نحتاج الى ان تتذكري اي شيء "
اتذكر مرج اخضر انا وابى وامي ثم ظلام
_"كنا في الحديقة العامة "
غمضت عيني تماما علي هذه الذكري ..اشعر بوقوفهم وتحركهم ناحية الباب .. لقد انفتح الباب
_"انا مقدر حزنك على امك وزوجها البقاء لله "ثم انغلق الباب عل هذا الصوت المبحوح ...
الان خرج الضابطان ,اسمح لكى يا دموعي بأن تخرجي من سجنك ,شلالات تندفعين على خدي فلا تقدر سدود الدنيا على صدك ,لا استطيع ان امنع الانين من الخروج من حنجرتي ,اشعر بأنى سأنفجر في أي وقت فأزيد من صلابة قبضتي على الغطاء ....توقفِ يا دعاء وتذكري أي شيء
_"لا استطيع انا خائفة "
توقفي عن خوفك هذا سيشل عقلك و أنتِ تحتاجين الى كل تركيزك الان فكونى قويه
_"نعم .. ليس بأبي رغم أني احمل اسمه لقد قال لي هذا مره وهو يصفعني ..اتذكر ذلك "
.من يحاول دخول الغرفة الان فليُسرع في فتح الباب ...
انها هبه ..تبتسم لي في رفق
_"هل انتِ بخير يا صغيرتي " اسكنني صوتها الرقيق
-"نعم "
"محمود ضابط مجتهد، وهو طيب القلب كذلك. لا تنزعجي منه فهو يؤدي عمله "
يا الله نسيت تماماً وجود كانيولا في كف يدي اليسرى كدت انتزعها حين حاولت مسح دموعي... تمسكين كفي بحنان يا هبه
_-"سأحقنك ببعض المورفين إذا كنتِ تشعرين بألم "
_"ارجوك ِ" الصداع يجتاح رأسي فعلاً
_"حسناً"
تملأ السرنجة بالمورفين فأميل رأسي الى اليسار ويغيب نظري عنها ..القمر يظهر من شباك غرفتي وجهاً دامياً حزيناً، مسجون في ظُلمه وفراغ. اشعر بوحدته وألمه
-"انتهيت"
خرجت من شرودي
_-"شكراً"
_"العفو يا بطله ..خالتك لم تفارقك ثانيه واحده منذ مجيئك ومن المفترض ان تعود لكِ الان"
اومأت برأسي وسقط جفني فهربت روحي الى الظلام والسكون ..
لا اعلم كم مر من الوقت وانا نائمه ..الغرفة مظلمه إلا من ضوء الشارع الاصفر الذى تسرب من الشباك , انه منتصف الليل ربما ..هناك لحاف جديد يحاوطني ..اقلب عيني في الغرفة الي ان وقعت علي جسد اسود ممد علي السرير يساري ..خرجت مني صرخة حاولت حبسها ..هذا الجسد ينهض بتثاقل ويتحرك ناحيتي بعباءته السوداء. أتبين من النافذة خلفه ان السماء قد تواترت بألغازها خلف طبقات السحب ,تجلس علي الكرسي يساري فأتبين وجهها الشاحب الخالي من اي تعبير ,أتأمل التجاعيد التي حفرها الزمن في هذا الوجه
-"حمداً لله على سلامتك يا بنتي " صوت جامد تماماً
_"خالتي لقد ماتت امي "
_"هذا المجنون خالد .قلت لكي ان تبتعدي عنه ..انه مجنون تماماً , سرق أدويه مخدره من الصيدلية التي كان يعمل بها وتركها وهرب في نفس يوم تنفيذ جريمته , اخبرتني امك في هذا اليوم انكم ذاهبون إلى الحديقة لتعيدي بناء علاقتك مع أبيكِ"
_"هو ليس بأبي يا خالتي , هو زوج امي أتذكر اشياء قاسيه كان يفعلها معي"
تأخذ نفس عميق وتنظر إلى الارض
_"كنا نرفض أخبارك ..توفى ابيك وانتِ في رحم امك، وتزوجت امك( بصدقي )بعد ولادتك مباشرة ،كانت تخبرني بقسوته عليكِ ، في الحقيقة اخبرتني بكل شيء وعجزها عن صده ،طلبتُ منها مراراً بأن ترسلكِ إلي ولآكنها رفضت بشده، وبكت لطلبي هذا "
_"لماذا رفض صدقي جوازي من خالد "
_"هذا الحشاش السكري ، امك هي من رفضته ..بكت لوالدك ليرفضه فطاوعها يائساً .. تدهورت حالتك بعدها "
اتذكر حالتي السيئة بعدها حلقي لشعري بكائي , كنت اريد ان اهرب معه
_"اخبرني الضابط انكم كنتم في الحديقة العامة , لقد انتهز هذا اللعين الفرصة وقام بتخديركم ثم نقلكم في سيارة زوج امكِ إلى خط الضغط العالي"
أتذكر خالد .. وجهه المستدير ونظرته الهادئة المُطمئنة..
_"انت الأن معي ولن يؤذيكِ احد ابداً, ستنهين جامعتكِ وسوف تتزوجين الشخص المناسب بعد ذلك "
مثانتي توشك على الانفجار , احاول النهوض فيضرب الصداع رأسي واسقط علي الفراش ..حضنك الان يا خالتي يجعلني ابكي
_"المرحاض" اهمس بها في اذنك وانا غارقة في حضنك
مستنده علي كتف يشعرني بالأمان اخرج الى أضاءه شديدة البياض، طرقه ماتت منها الحياه ,وينتشر فيها رائحة مطهر نفاذة ..نتخطى ببطء غرف كُتب علي احداها (غرفة الممرضات ) ..ها قد وصلنا الى نهاية الطرقة, الى المرحاض
-"هل تريدين ان ادخُل معك "
-"لا.. شكراً يا خالتي"
-"حسناً ..سأنتظرك هنا "
انا وحدى الان اتبول وابكى ...انتهيت ولا اظن اني سأتوقف عن لطم وجهى بماء خرج من قلب الجليد , يا إلهي من هذه الصلعاء الشاحبة التي تظهر في المرأة اعلى الصنبور..
-"كيف دخل...اترك..."
يا لله.. انها خالتي ..هناك من يكتم صرختها ..اللعنة انا متخشبه مكاني وضربات قلبي تكاد تُمزق صدري.. اخيراً اتحرك.. اخيرا امسك بمقبض الباب وأديره .. هل هذه القطرات دماء! ..اين انتِ يا خالتي؟ ....اين تأخذني قدمي و أين أذهب.. لساني مشلول..(غرفة الممرضات )
-"هبه ..هبه " لن تسمع همسي هذا تمالكي قواك يا دعاء افتحي الباب واصرخي .. هي امامي الان نحيفه شبه عاريه يحتضنها هذا الضخم انه الطبيب تتلاقي عيني بعينه ..اركض وابكى ..ها قد وصلت إلى غرفتي المظلمة اغلق بابها وابكى .. يا لله لمن هذا الجسد المغطى علي فراشي ..خالتي
-"دعاء"
من عند زاوية الباب أميز ملامحك رغم الإضاءة الخافتة ..كما ان يدك تنزف
-"خالتي...لقد قتلتها "
-"لا.. لا، هي مخدره فقط ..هيا نهرب يا دعاء "
-"لماذا.. لماذا"
-"ذاكرتك مشوشه بفعل مخدر (الكيتامين) الذى حقنتك به ...كانت خطتك يا دعاء للخلاص من زوج امك القذر ، ان نخفيه للأبد ...نجحتِ في احضارهم للحديقة ووضع المخدر لهم في العصير ،ثم نقلناهم في السيارة الى خط الضغط العالي ،كان من المفترض ان يختفي زوج امكِ للابد"
اتذكر إدارتي للبكرة... احتراق جسده بوهج ابيض غطى السماء وانطفاء نار قلبي
-"لماذا امي"
-"لأنها افاقت.. رأتك وظلت تصرخ فيكِ اضررت الي تخديرها، ثم تخديرك لأنك رفضتي ان اتخلص منها ..كانت ستفضح الامر... وخفت منك انت ايضاً يا دعاء، ولاكن لم تطاوعني يدى علي قتلك فتركتك تسقطين ..حينها ظهرت سيارة على الطريق، فلم اجد الوقت الكافي لأخذك معي"
...ها أنتِ يا هبه تفتحين الباب وتنظرين الي الأرض
-"دعاء ..سأشرح لكِ" .
تضيئين مصباح الغرفة
-"انت!"
تنقض عليها يا خالد ،وتعتصر عنقها ،فتسقط معها ارضاً ...تموتين يا هبه وعلي وجهك اشد تعابير الفزع ...لا أعلم كيف مسكت حامل المحلول ،ولا كيف حطمت به رأسك يا خالد حتي ظهر عقلك بين حطامها ؛انا الان اركض ..اهبط درجات السلالم ..اصرخ
-"انجدوني ..لقد قتلته!"
محاطه برجال امن المشفى اراك وقد وصلت يا محمود ..تصرخ في افراد الامن
-"كنتم نائمين !"
ثم تأتى الى... تخلع البالطو وتضعه علي كتفي
-"لقد قتلته ..قتلت خالد "
تحتضني وتهمس في أذني
-"انتِ بطله ،اعدك الا يمسك مكروه مجددا "
كتابة علاء الشافعي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق